القاضي عبد الجبار الهمذاني

143

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وقد استدل شيخنا « 1 » أبو علي رحمه اللّه « 1 » على أن الإرادة محدثة لقوله تعالى : « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً » « 2 » لأنه لا يصح أن يقال : لو شاء أن يؤمن الكفار لآمنوا ، وذلك مستحيل فيه . وانما يقال ذلك إذا صحّ أن يشاء ذلك منهم ، وهذا يوجب كون الإرادة محدثة ، مقدورة له ، يصح أن يفعلها ويصح أن لا يفعلها . ولولا أنّ الأمر كذلك ، لم يكن قوله : « لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ » مدحا له « 3 » ، بل كان إلى الذم أقرب . ألا ترى أنّ / قائلا لو قال إن زيدا لو وصل إلى ملك الروم لقتله ، لكنه لا يقدر على الوصول إليه ، ولا يمكنه ذلك ، لكان قد ذمّه بذلك ، وحكم بعجزه . فكذلك من قال إنه سبحانه لا يصح أن يشاء من الكافر أن يؤمن ، فقد وصفه بالضعف . ويجب أن يجرى « 4 » ذلك منهم مجرى قولنا للمؤمن : لو كان صحيح الرجلين لمشى ، وهو لا يمكنه تصحيح رجليه ، والمشي يعدّه في أن ذلك ذم ونقص . ولا يمكنه أن يقول إن هذه الآية ليست بمدح ، لأنّ في ذلك خروجا « 5 » من الاجماع . على أن هذه الآية تدل على ما قلناه من وجه آخر ، لأنه لا يصح أن يقول : « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ » والمشيئة متقدمة ، كما لا يصح أن يقال : لو علم اللّه كيت وكيت ، مع أنه عالم فيما لم يزل . ومتى ذكر ذلك على هذا الوجه ، فهو مجاز . وكيف يجوز أن يقول تعالى : « وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ، وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ « 6 » »

--> ( 1 ) شيخنا ، رحمه اللّه : ساقطة من ط ( 2 ) يونس 10 / 99 ( 3 ) له : ساقطة من ط ( 4 ) ويجب أن يجرى : ويجرى ط ( 5 ) خروجا : الخروج ط ( 6 ) السجدة 13 / 34